Wednesday, October 20, 2021
Home > ساعة العصاري > ذات قيمة

ذات قيمة

Origami أوريجامي ذات قيمة

مجرد ورقة عادية … ورقة فارغة لم يكتب فيها شيء… لو أعطيتك ورقة كهذه، فماذا تفعل بها؟!

أغلب الظن أنك قد تتركها جانبا إلى أن تظهر لها فائدة … ربما تسجل عليها رقم تليفون، قائمة الطلبات من السوبر ماركت… شيء من هذا القبيل … وبعد ذلك ستتخلص منها طبعا، فلم يعد لها فائدة، وربما تتركها جانبا حتى تتخلص منها أيضا بعد يومين أثناء فرز المكتب.

كان ذلك تصوري أنا أيضا حتى وجدت آخرين ينظرون لتلك الورقة بشكل مختلف … عند فناني “الأوريجامي” فهذه الورقة الفارغة هي ببساطة مشروع عمل فني ، فتلك الورقة الفارغة قد تتحول إلى نجوم، أزهار، طيور وحيوانات، وحتى فوانيس رمضان… النتيجة أن الناس تتهافت للحصول على تلك الأشكال، التي هي أصلا عبارة عن ورقة فارغة، فقط تم طيها عدة مرات بطريقة ما، فقط لا غير … ولو فردتها ستعود لشكلها الأصلي … ورقة مثل أي ورقة أخرى.

نفس الورقة التي كنت ستتخلص منها منذ قليل صارت قطعة فنية ذات قيمة، تزين المكتب.

فنانة أخرى أثناء سيرها في الطريق مرت بكومة من مخلفات الهدم، كميات من الطوب المتكسر وبقايا اسياخ حديدية وخرسانة متصدعة … وقفت هي وسحبت من وسط تلك الكومة قطعة من الخشب، قطعة قديمة مكسورة من الطرفين… بالنسبة لنا هي قطعة خشب مكسورة من مخلفات الهدم نريد التخلص منها، ولكنهبالنسبة لها هي قطعة من كنز …فمع بعض الرتوش والألوان تحولت قطعة الخشب القديمة المكسورة الى عمل فني ذو القيمة.

هؤلاء باختصار نظروا لتلك الأشياء نظرة مختلفة، إذ ربما ننظر نحن الى ما حولنا من أشياء ولا نرى قيمتها التي قد يراها أخرون… فاذا حدث وانتقلت تلك الأشياء منا نحن إليهم فـعندها تظهر قيمتها وتتحول من أشياء مهملة إلى قطع ثمينة تجذب الكل إلى اقتنائها.

والحقيقة أن ذلك ليس قاصرا على ما حولنا من أشياء، بل ينطبق كذلك علينا نحن البشر … كل منا له قيمته التي قد تكون خفية، وكل منا له صفات مميزة قد لا يراها الكثير من الناس … فقط مع تغيير بسيط تظهر القيمة أمام الجميع.

يحدث كثيرا أن نرى شخصا عاديا في موقع عمله، قد لا يلتفت اليه أحد، مثله مثل عديد من الموظفين الأخرين، … لكن عندما تأتي الفرصة فينتقل هو الى عمل جديد أو ربما يبدأ هو بنفسه عمله الخاص، حينها تتبدل الأمور، يتألق وقد يصبح من المشاهير ويمارس دورا قياديا ويقدم استشاراته للأخرين … يتحول من شخصية عادية إلى شخصية مرموقة… نفس الشخص هو هو بمهاراته وقدراته لم يتغير، فقط انتقل من مكان لأخر فصار لامعا … الفرق الوحيد أنه في المكان الأول كان ورقة عادية، أما في المكان الثاني فهو مشروع شخصية ناجحة ذات قيمة.

الأمثلة كثيرة … حدث ذلك مع العديد من العلماء والأدباء والفنانين ورجال الأعمال…وربما إذا نظرت أنت شخصيا الى نفسك أو الى من حولك من الأصدقاء والمعارف فستجد من قصص نجاحهم ما يعد مثالا على ذلك.

وعلى مستوى المجتمعات فالأمر هو نهج اقتصادي في المقام الأول، فأنت ببساطة ترفع قيمة ما يمتلكه المجتمع من أفراد وممتلكات… انظر الى تلك الورقة الفارغة … كانت قيمتها المادية تؤول الى الصفر، ولكن بنظرة أخرى أصبحت الآن تساوي مبلغا من المال، والنتيجة أن ثروتك قد زادت بنفس قدر الزيادة في قيمة تلك الورقة… هكذا ببساطة صرت أنت أكثر ثراءً.

البشر كذلك، فكلما زاد عدد الأفراد الناجحين في بلد ما، كلما ازداد معدل الابداع والإنتاج والعائد المادي للمجتمع بأكمله، ويتطلب ذلك ثقافة مبنية على صناعة النجاح ودعم الأفراد للوصول اليه… بل وحتى استقطاب الناجحين من مجتمعات أخرى.

ولهذا نحتاج لتلك النظرة الثاقبة التي تمكننا من رؤية القيمة فيما حولنا ومن حولنا… ونحتاج كذلك أيضا للثقة … فقد يخبرونك مرارا وتكرارا أنك مجرد ورقة عادية فارغة، وقد يدفعك الكثيرون نحو الإحباط بقصد أو دون قصد… لكنك تستطيع أن نتحين ما تتيحه الحياة من فرص متتالية وتثبت أنك شخصية مميزة ذات قيمة.